رأي رياضي

يموتون مرتين.. رياضيون يمنيون بين السرطان وبيروقراطية الانتظار

✍️ عبدالكريم مطهر مفضل

لم يكن الكابتن عادل الملصي مجرد مدربٍ للمنتخبات الوطنية، بل كان واحداً من أولئك الذين حملوا على أكتافهم أحلام جيلٍ كامل، وصاغوا من شغفهم بالرياضة هويةً وطنيةً في زمنٍ يتآكل فيه كل شيء. لكن النهاية جاءت قاسية، لا تليق بسيرة رجلٍ أفنى عمره في خدمة الرياضة اليمنية.

أصيب المرحوم عادل الملصي بسرطان العظام، وبدأ رحلة علاجٍ شاقة لم تكن وحدها ما أنهكه، بل ذلك الانتظار الطويل في ممرات وزارة الشباب والرياضة، حيث ظل يلاحق معاملته الخاصة بالعلاج في الخارج. أوراقٌ تتنقل بين المكاتب، ووعودٌ تتبخر، ووقتٌ يسرق ما تبقى من جسده المنهك.

لم يسافر.. لم يحصل على فرصته الأخيرة، مات.. قبل أن يُفتح له باب النجاة.

لكن المأساة لم تتوقف عند هذا الحد.

بعد رحيله، لم تُغلق ملفاته، بل بقيت مفتوحة، لا لتكريم إرثه، بل لأن ورثته عانوا الويلات وهم يتابعون “منحته العلاجية” العالقة، ليس طمعاً فيها، بل لسداد ديونٍ تراكمت كجبلٍ ثقيل فوق كاهلهم، نتيجة رحلة علاجٍ خاضها وحيداً، بلا سندٍ مؤسسي حقيقي.

هكذا يموت الإنسان مرتين في هذه البلاد: مرةً حين يعجز جسده، ومرةً حين تعجز الوزارة عن علاجه.

واليوم، تتكرر الحكاية.. لكن باسمٍ جديد.

زكريا علي الذماري، لاعب المنتخب الوطني للرماية (فئة الكبار)، يواجه المصير ذاته.

أُصيب بالسرطان، وخضع لعمليات جراحية في العاصمة المصرية، في محاولةٍ للنجاة من المرض.. هناك، في غرف العمليات البعيدة، كان يقاتل الألم، بينما كانت معاملته في الداخل اليمني تقاتل الإهمال.

حقه في المساعدة العلاجية لا يزال حبيس الأدراج.. ملفٌ آخر ينتظر التوقيع.. وحياةٌ أخرى تُعلّق على هامش الروتين.

الفارق الوحيد بين القصتين.. أن الذماري لا يزال على قيد الأمل.

هذه ليست مجرد حالات فردية، بل مرآة لوضعٍ أوسع، يكشف هشاشة منظومة الرعاية للرياضيين الذين يمثلون البلاد في المحافل، ثم يُتركون لمصيرهم حين يواجهون أخطر معاركهم: المرض.

أي معنى للمنتخبات الوطنية، إذا كان لاعبوها ومدربوها يُهزمون خارج الملاعب؟

وأي قيمة للإنجازات، إذا كانت نهايات أصحابها تُكتب بهذه القسوة؟

في اليمن، لا يحتاج السرطان إلى أن يكون قاتلاً شرساً.. يكفيه أن يلتقي بإهمالٍ إداري، حتى يتحول إلى حكمٍ نهائي.

قصة عادل الملصي يجب ألا تُروى كذكرى حزينة، بل كجرس إنذار.. وقصة زكريا الذماري ليست خبراً عابراً، بل اختبارٌ أخير لما تبقى من مسؤولية.

لأن إنقاذه اليوم.. ليس مجرد إجراء إداري، بل محاولة متأخرة.. لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من معنى الدولة نفسها.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى