رأي رياضي

في الذكرى السنوية لرحيل عبدالإله القدسي.. شاعرٌ مرَّ خفيفًا وترك أثرًا لا يزول

المرصد الرياضي – رئيس التحرير.

إلى روحك النبيلة، عبدالإله القدسي

ذلك الحضور الذي كان يسبق كلماته بابتسامةٍ وادعة، ترسم الفرح على ملامح أنهكها الزمن ولم يكسر صفاءها.. وجهك الأسمر التهامي كان شهادة حيّة على طيبةٍ خالصة، صقلتها حرارة شمس نهار زهرة الساحل الغربي ووشمتها تقلبات الدهر، فبقيت كما هي: نقية، صادقة، بلا ادّعاء.

حين كنت تتحدث، كنا نصغي دون ملل؛ حديثك كان نافذة على ذاكرة غنية، وضحكتك رفيقًا يبدد ثقل الأيام.. صوتك العميق لم يكن مجرد نبرة، بل امتدادًا لتاريخٍ مثقل بالحب، بحب وطنٍ منكوب، يتقاذفه المصير كقاربٍ تائه في بحرٍ هائج، لا يعرف ركابه إلى أي شاطئ سيصلون.

بدأت رحلتك بعشق المعرفة، ورفضت أن تُحبس في بساطة المكان، فغادرت مدينة “الزهرة” زهرة تهامة الخير إلى صنعاء لدراسة الإعدادية في مدرسة سيف بن ذي يزن، وهناك التقيت رفيق الدرب والروح، رائد الأدب اليمني عبدالله البردوني.

كنت له سندًا، وكان لك أفقًا، وفي تلك الصحبة النادرة تآلف الألم مع الأمل، وتوهّجت الحياة رغم قسوتها، كأنها محاولة عنيدة لكسر جدارٍ قديم بالقصيدة والكلمة.

كنت شاهدًا حيًا على شقاء الأدب والمثقفين في هذا الوطن.. أحبوك كما أنت، بلا أقنعة.. عرفوك ببلاغتك، بتواضعك الجم، وبنقائك الذي لم تلوثه حسابات المصالح.. كنت أنت والبليغ توأمي دربٍ واحد، رفقة مسك وعود، في ظل أديب اليمن الكبير عبدالله البردوني، الذي لم تكن مجرد تلميذٍ له، بل شريك روح وذاكرة.

أثقلت قلوبنا حكاياتك عنه؛ كنت ترويها بصدقٍ نادر، فنراها أمامنا، نعيش تفاصيلها كأننا جزءٌ منها.. كنت كريم النفس، عزيز الحضور، فريد الطباع، ورحلت كما عشت: خفيف الظل، طيب المعشر، ثابتًا كالجبل في مبادئك، لا تميل مع الريح.

ترك رحيلك غصّة لا تزول.. عانيت بصمت قسوة الوحدة وشظف العيش، في وطنٍ لم يُنصف أديبه ومثقفه.. وفي ذكراك، يتجدد الحزن كليلٍ طويل، وتتكاثف الخيبات، لكنك تبقى حاضرًا، لا كاسمٍ في ذاكرة، بل كروحٍ تسكننا.

فقيدنا الكبير سنظل نذكرك، لأنك لم ترحل حقًا.. تركت جسدك، أما أثرك، فباقٍ، نابض، وعنيد مثل الكلمة التي آمنت بها حتى النهاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى